محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

191

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

إذا عرفتَ هذا ، فإنا نقول : إن قبولَنا لكلام المتدين المتأوِّل الذي يغلِبُ على الظن صدقُه فيما لم يظهر لنا أن بينه وبينَ الركون الحقيقي علاقةً ظاهرةً قطعية تمنع الاختلافَ كما ادَّعى السيد ، وبيانُ عدم ظهور العلاقة أنا لم نركن إليه في الحقيقة ، وإنما ركنا إلى أمرين : أحدهما : الدليل الدال على وجوب قبول روايته وسيأتي بيانُه مفصلاً في الفصل الثاني ، إِن شاء الله تعالى . وثانيهما : الظنُّ الراجحُ المجرب أن صِدقه دائم ، أو أكثري الذي قضت العقولُ بوجوب العمل به في دفعِ المضار وحسنِ العمل به في جلب المنافع ، وإنما المتأول قرينةٌ للظن ، والمركون إليه هو الظنٌّ لا القرينةُ بدليل أن الظنَّ متى زال لم يستند إلى القرينة ولا يُعمل بها ، ألا ترى أن من رأى السحابَ الثقال التي هِيَ قرينةُ المطرِ ، فاستبشر ، وأصلح سواقي زرعه لم يكن في المجاز راكناً إلى السحاب ، وإنما يَكونُ في المجاز راكناً إلى ظنه الراجح ، وكذلك لو أخبرك المتأوِّلُ أن في هذا الطعام سمّاً وظننتَ صدقه ، قَبُحَ منك الإِقدام على أكله ، لأن فيه مضرةً مظنونة ، ودفعُ المضرة المظنونة واجبٌ عقلاً ، فلو أنَّك ذهبتَ تأكلُه لئلا تركنَ إلى خبر المتأوِّل ، لم يختلف العقلاء في قبحِ اختيارِك ، وكذلك إذا أخبرك أنه سَمِعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : إن هذا حرامٌ يستحق فاعلُه العقابَ ، فإنَّك إذا ظننتَ صدقه ، قَبُحَ منك الإِقدام على ما تَظُنُّ أن الإِقدام عليه محرَّم موجبٌ لغضب الله ، وشديدِ عقابه ، نعوذ بالله من ذلك ، ولم يكن إقدامُك على ما تظنُّ أنَّه يُدخلك النار والحرام والعمل بالمعقول فراراً من الركون إلى مَنْ أخبرك ، وقد رجع المسلمون إلى أطباء الفلاسفة والنصارى في جميع أقطارِ الإسلام من غير نكير ، ولم يكن ذلك ركوناً إليهم ، وذلك لأنهم ظنوا صِدْقَهم في فنهم ،